القائمة الرئيسية

الصفحات

المؤتمر الدستوري القادم....مشاركة واسعة واتفاق يفرض نفسه


الخرطوم : زول سوداني

 بعد إكتمال الثورة سيفرغ السودانيون لبناء وطن يسع الجميع هذه العبارة ظلت فكرة فتية داعمة لفكرة تقبل الاخر باختلاف فكره وثقافته ولغته وعرقه ودينه امام اصطراع  كان يقوم على التفضيل لا المساواة فتولدت الحواجز بين أبناء الاوطن الواحد، الا ان الاختلف بقدر ما هو حقيقة في السودان كان ينبغي أن يكون مصدر فخر وعزة ومنعة واثراء


ومشوار الثورة الطويل لم يُختم بسقوط النظام بل اصبح السودان سودان على اعتاب طريق جديد لبناء الوطن أشرق بتوقيع النهائي لإتفاقية السلام في الثالث من أكتوبر 2020، ليجد نفسه أمام قضية ليست بأقل أهمية من تحقيق السلام وهي صناعة دستور سودان جديد يستوعب السودانيين جميعا بتنوعاتهم الثقافية والعرقية والدينية واللغوية الواسعة افنحن قادرون؟

نصت الوثيقة الدستورية في المادة 8 على مهام الفترة الانتقالية والتي من بينها عقد مؤتمر دستوري يناقش كل المسكوت عنه في القضايا السودانية منذ الاستقلال فيما يتعلق بالهوية وعلاقة الدين بالدولة ونظام الحكم ومن ثم يبدأ السودانيون في كتابة الدستور الذي يتوقع أن يكون دستورا دائما لفترة طويلة.

وفي النصف الاول من اغسطس 2020 بادرت منظمة السودان للتنمية الاجتماعية (سودو) بعقد لقاء تفاكري حول إعداد القواعد الشعبية للمشاركة في المؤتمر القومي الدستوري، فما انطباع المنظمة عن هذا اللقاء لا سيما وان من بين حضوره رئيس الوزراء؟ والدور الذي قامت به المنظمة في هذا الصدد؟ وما الذي يعنيه المؤتمر الدستوري لمنظمة تُعنى بتنمية اقتصادية؟

يحدثنا عن كل ذلك الدكتور مضوي ابراهيم مدير المنظمة

والذي قال:إن المؤتمر التفاكري الذي عقد مع الحكومة ترك انطباعا حسنا وهذا للتفاعل الكبير الذي حظي به من أجزاء واسعة من البلاد، فكل الذين عرفوا بهذا اللقاء تواصلوا معنا وأكدوا جميعهم بأنه الخطوة الصحيحة وهو مخرج السودان؛ فالسلام الدائم لا يمكن أن يتم إلا عبر مؤتمر قومي دستوري بإعتبار أن هذه هي القضايا المفروض تناقش المساواة والأسس التي يجب أن يقوم عليها السودان الجديد.

 يضيف د. مضوي الخبير السياسي "نحن نعتبر المؤتمر الدستوري مشروع قومي واتفقنا في اعلان الحرية والتغيير يناير 2019 على عقد مؤتمر دستوري لمعالجة المشاكل الاساسية للسودان وأُكد ذلك في الوثيقة الدستورية التي أصبح من مهامها عقد مؤتمر الدستوري".

ويقول مضوي ايضا: تجيئ أهمية عقد مؤتمر دستوري بإعتبار أن بلادنا بنيت على أساس خاطئ فنحن دولة صنعها المستعمر بمجموعات متنوعة ثقافيا وعرقيا ودينيا وتاريخيا، والأن نوّد أن نؤسس لدولة جديدة أهم سماتها المواطنة المتساوية وهي ليست كلمة فحسب فعندما نقول اننا مواطنون متساوون هذا يعني اننا متساويين في كل الحقوق وكل الواجبات بمعنى اننا متساويين بثقافاتنا وادياننا ولغاتنا وأعراقنا.

ماذا عن دور المنظمة إذا بخصوص هذا المؤتمر؟

عرفنا د. مضوي بأن المنظمة تقوم بدور توعوي في أجزاء مختلفة من البلاد ولديها مكاتب في دارفور والنيل الازرق وكردفان والشمال والشرق، “عملها الأساسي التوعية وأن تصل الناس في قراهم وفرقانهم وتتناقش معهم الدستور عن طريق عقد الندوات وجلسات تفاكرية في وسط الشباب والنساء والادارة الاهلية نوعيهم بضرورة عقد المؤتمر القومي الدستوري بإعتباره استحقاق دستوري “.

قضية الدستور هذه ليست قضية حديثة النشأة  بل هي قديمة فالناظر لتاريخ السودان الحديث يجد ان الدستور تغيير عدة مرات في أوقات وجيزة ! فلماذا لم تجد تلك الدساتير توافقا من مكونات المجتمع السوداني على أعقاب السنين؟ 

في هذا الصدد يجيبنا الأستاذ كمال محمد الأمين رئيس قطاع القضاء بحزب المؤتمر السوداني 

يقول الأستاذ كمال: إن تلك الدساتير وضعتها النخب ولم يضعها الشعب نفسه لذلك لا تستمر لفترة طويلة لأنها غير نابعة من الشعب السوداني فمنذ الاستقلال وحتى الأن لدينا قرابة 6 أو 7 دساتير لم يشارك السودانيون من عامة الشعب في صياغتها.

 ويأخذنا الاستاذ في جولة حول الدساتير السودانية حيث يقول: مثلا إذا نظرنا الى دستور 1953 أو دستور الحكم الذاتي فقد وضعه الحاكم العام والذي كرس جميع الصلاحيات للحاكم العام نفسه، ولكن عندما جاء دستور 56 أُخذت صلاحيات الحاكم العام الانجليزي وأُدخل نظام المجلسين ولكنه كان ايضا  ظل دستورا نخبوياً ونفس الأمر ينطبق على دستور 73 و86  و89 ماعدا دستور 2005 بإعتبار أن فيه مشاركة أوسع؛ لذا حظي بقبول أكبر لكن الشي الصحيح أن الدستور دائما يوضع من الادنى الى الاعلى بمعنى أن تشارك كل القواعد في صناعته.

وقال الأستاذ كمال: “أفضل الدساتير القديمة هو دستور 73 بإعتباره تناول المبادئ الدستورية بشكل منظم وواضح وحتى نصوصه كانت واضحة، فهو يعتبر من افضل الدساتير ولكن دستور 53و 56 يتفوقون عليه من ناحية الصياغة و يعتبر دستور 2005 الافضل على الاطلاق ووجد اجماع من أهل السودان؛ لأنه تناول أهم وثيقة هي وثيقة الحقوق وقسمة السلطة والثورة وأنا كنت أفضل ان يبنى عليه فقط أن تطرح أسئلة بسيطة مثل علاقة الدين بالدولة وشكل الدولة والهوية واللغات.”

ووجود المشاركة و غيابها يطرح سؤالا حول من المخول له إذا بإعداد وصياغة الدستور؟ 

يقول استاذ كمال بأن صناعة الدستور تأخذ أشكال كثيرة فالبعض يستخدم أسلوب الجمعية التأسيسة وهنالك سلطات تنشيئ الدستور عن طريق مؤتمر دستوري ومنهم من يصنعه عن طريق الاستفتاء، والأن نحن محتاجين طريقة جديدة لوضع دستور دائم للسودان.

دكتورة زحل الامين أستاذة القانون الدستوري والدولي ورئيسة قسم القانون الدولي بجامعة النيلين تضيف سبب أخر للتغيير المستمر في الدستور 

“تتغير الدساتير بسبب تقلبات نظم الحكم والايدلوجيات الحاكمة فظل السودان متجاذب بين الحكم العسكري الشمولي والحكم الديمقراطي في اعقاب الثورات، وعندما يكون هنالك حكم عسكري لمدة طويلة كما حدث في السودان يؤثر ذلك في العقلية الموجودة، ففي فترة الحكم الشمولي تضيق دائرة الديمقراطية والعساكر يسيطرون على السلطة ويفرضون الايدلوجيا التي يعتنقونها.”

 وضربت الدكتورة في ذلك المثل بالرئيس الأسبق جعفر محمد  نميري( 1969-1985) الذي كان  في بادئ الأمر مائلا للإشتراكية وانعكس ذلك في فترة حكمه في الأيام الاخيرة حيث أصدر قوانين سبتمبر-1983  وكان ذلك حسب تغيير ايدلوجيته، ثم جاء عمر البشير (1989-2019) ومنذ اليوم الأول هو انقلاب ايدولوجي قام به الاخوان المسلمون متبنيا الفكر الاسلامي في القوانين وفي الدستور، وعمر البشير كان يحكم لمدة عشرة سنة ب 14 مرسوم دستوري حتى مجيئ دستور حيث تبنى الاتجاه الاسلامي فيه الحاكمية لله وتقسيم السودان لولايات ونتيجة لإتفاقية السلام صدر دستور2005.

اضافت د. زحل أن جميع الدساتير التي وضعت في السابق لم تحدث فيها مشورة شعبية كافية كما أنه لم ينعقد مؤتمر دستوري على الاطلاق في تاريخ السودان.

وبهذا الحديث نجد أنفسنا أمام محك صعب وهو الضمان لديمومة واستمرار الدستور، وما هي الاجراءات التي من شأنها تمديد بقاء الدستور لمدة طويلة؟ 

تقول زحل:لا توجد آلية تضمن ديمومة الدستور غير الشعب نفسه، وعند وضع الدستور علينا أن نستصحب جميع الفئات المكونة للمجتمع من أحزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني وقوات نظامية ويتوافق الكل على مبادئ دستورية تعرض لمشورة شعبية كافية، فالدستور عمل فني يكتب بواسطة مختصين وليس بالضرورة أن يكونوا قانونين فقط، فالدستور يعالج مشاكل الاقتصاد والحكم وحرية الصحافة وجميع الحريات وهذا يحتاج لأن يتوافق الناس حول مبادئ دستورية يتم تبنيها عبر مؤتمر دستوري بإعتبارها موجهات للدستور ومن ثم تتشكل لجنة فنية محايدة ومستقلة غير مسيسة من أجل صياغة الدستور الدائم.

اذا ، وبالرغم من كل الأحداث التي صاحبت عدم استقرار الدستور في السودان! هل يمكننا الاستفادة من تلك الدساتير ونحن نضع دستور السودان الجديد؟ 

 الأستاذ سامي عبد الحليم خبير في مجال الدساتير وناشط في منظمات المجتمع المدني يجيبنا بطرحه أسئلة في مبتدر حديثه حيث يقول:

تصدُر الدساتير على أساس أن الشعب والحكومة ومؤسسات الدولة يسيرون في اتجاه واحد ومتفقون على شكل حكم الدولة وسياسيا يسمى الدستور عقد اجتماعي فإلى أي مدى تلبي الدساتير هذه الاشياء؟ وإذا نظرنا الى الفترة السابقة بإعتبارنا دولة نامية وخرجنا من استعمار ولدينا فقر وجهل وأمية ولدينا مشاكل اقتصادية فإلى أي مدى استطاعت تلك الدساتير أن تعالج لنا هذه المشاكل وتجلب الرفاه والديمقراطية والسلام والتعايش السلمي؟ 

 إن دساتيرنا فشلت في استدامة الديمقراطية وتحقيق التعايش السلمي والرفاه الاجتماعي وسيادة حكم القانون وظلت موجودة في المجلدات بعيدة عن التطبيق اليومي ولا يوجد ما يلزم بتطبيق هذه الدساتير، ففشلت الألية نتيجة لفشل الإرادة السياسية، 

واضاف قائلاً: "الناس بعملو الدستور وبختو في بالهم انهم ما حاينفذوه" وهذا لأن الدستور لم يأت من البنية الاجتماعية و من الوعي الاجتماعي والمجتمع لم يشارك فيه ولا يعرف ما المكتوب فيه بالتالي ليس من الضروري أن نقتبس أو أن نشّف دستور من دولة ديمقراطية بل لابد من النظر الى تحديات ومشاكل السودان وتعيين ما هو مطلوب من أهداف حتى نحدد المشاكل التي يجب أن يعالجها هذا الدستور ولابد من أن يستوعب الدستور السياق الاجتماعي السوداني.

و هنا يقوم سؤال فرعي و هو إلى أي مدى يمكن أن نُحمل الخبراء مسؤلية جودة الدستور وهل هم أصحاب الكلمة الأخيرة في صياغته؟

يقول الأستاذ سامي: إن هناك قانونيين خبراء ضليعين بالتجربة السودانية في الصياغة ويمثلون مدارس دستورية فقهيه مختلفة فبعضهم درس في المدارس الانجلسكسونية والاشتراكية، وهناك طيف من الخبراء الدستورين من شتى المدارس الفقهية الدستورية وهم حِرفيا قادرين لكن مواصفات الدستور يأتي بها السياسيون القابضون على السلطة، فمثلا دستور التوالي كانت هنالك لجنة تسمى بلجنة خلف الله الرشيد وخلف الله الرشيد قال”نحن سلمنا دستور والترابي طلع دستور من الدرج” فهناك خبراء قادرين على اعطاء بدائل دستورية بناءا على المواصفات التي تتطلبها المرحلة السياسية والاجندة السياسية التي يتبناها الحاكمون القابضون على السلطة.

فماهو الدستور كيف ينبغي أن يكون؟ وكيف نصف الوثيقة التي تحكم فترة ما بعد الثورة؟

الأستاذ ساطع الحاج عضو اللجنة القانونية لقوى الحرية والتغيير بدأ حديثه بتعريف الدستور على أنه وثيقة قانونية لتسوية سياسية يتفق الشعب على تسوية سياسية في معادلة كيف يحكم ومعادلة كيف توزع السلطة وتأتي هذه التسوية السياسية وتصاغ في وثيقة تكون أعلى قانون يحكم الناس يسمى دستور، إذا الدستور يجب ان يكون تعبير عن ارادة الشعب في كيف يقتسموا السلطة والثروة، اذا جاء دستور لا يعبر عن ارادة الشعب في اقتسام السلطة والثروة يصبح هذا الدستور يعبر عن فئة محددة في المجتمع وتعمل الفئات الأخرى على محاربته لأنه لا يمثل مصالحها وهذا يعجل بعدم ديمومة الدساتير وكل ما كان الدستور يعبر عن إرادة الأمة التي يحكم فيها كل ما أصبحت ديمومته أطول.

وفيما يتعلق بالوثيقة الدستورية التي نحتكم لديها الأن يقول ساطع: هي الوثيقة الوحيدة في السودان التي توافق عليها ملايين السودانين واستطاعت ان تحدد مهام الفترة الانتقالية في تفكيك النظام الاستبدادي والوصول الى مرافئ الديقمراطية.

اذا عبء كبير تستشرفه المرحلة القادمة وتوافق يرجوه الجميع بإختلافاتهم الكبيرة فهل سنصل؟


التنقل السريع